سليمان بن صرد الخزاعي

 سليمان بن صرد الخزاعي

 وردت في كتب التاريخ والرجال تراجم عدة لشخصية سليمان بن صرد الخزاعي، حيث ذكره الشيخ الطبسي في كتابه (رجال الشيعة في أسانيد السنة)، وذكره آية الله الإمام الخوئي في (معجم الرجال الحديث)، وذكر السيد محسن الأمين تفصيلاً عن سليمان وثورته في كتابه (أعيان الشيعة)، وقد جمعنا هذه التراجم التي وردت ونقلناها لكم مع شيء من التصرف لكي تعم الفائدة:
 أولا: قال سماحة الشيخ محمد جعفر الطبسي في ترجمة سليمان بن صرد في كتابه (رجال الشيعة في اسانيد السنة):
 .: سليمان بن صرد :.
 1 – شخصيته ووثاقته:
قال الذهبي: سليمان بن صرد الأمير أبو مطرف الخزاعي الكوفي الصحابي… كان دينا عابدا، خرج في جيش تابوا إلى الله من خذلانهم الحسين الشهيد… (1وقال ابن الأثير: وكان خيرا فاضلا له دين وعبادة، سكن الكوفة أول ما نزلها المسلمون، وكان له قدر وشرف في قومه، وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها (2).
 2 – تشيعه:
قال الذهبي: من شيعة علي ومن كبار أصحابه (3).
 3 – طبقته ورواياته:
قال المزي: روى عن: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتب الستة، وعن أبي بن كعب في أبي داود وعمل اليوم والليلة، وجبير بن مطعم في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة، والحسن بن علي بن أبي طالب، وأبيه علي بن أبي طالب. روى عنه: تميم بن سلمة، وشقير العبدي، وشمر، وضبثم الضبي، وعبد الله بن يسار الجهني في النسائي، وعدي بن ثابت في البخاري ومسلم وأبي داود وعمل اليوم والليلة، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي في الكتب الستة، وأبو الضحى مسلم بن صبيح، ويحيى بن يعمر في أبي داود، وأبو حنيفة والد عبد الأكرم بن أبي حنيفة في ابن ماجة، وأبو عبد الله الجدلي (4).
 4 – رواياته في الكتب الستة:
صحيح البخاري (5)، ومسلم (6)، وسنن أبي داود (7)، وابن ماجة (8)، والترمذي (9)، والنسائي (10). 5 – ترجمته في رجال الشيعة: عده الشيخ الطوسي في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والإمام الحسن بن علي، والامام أمير المؤمنين (عليهما السلام) (11).
 ثانيًا: نقل زعيم الحوزة العلمية آية الله السيد أبو القاسم الخوئي، في (معجم رجال الحديث) ما يلي:
 .: سليمان بن صرد :.
 هو من التابعين الكبار، ورؤسائهم، وزهادهم، حكاه الكشي عن الفضل ابن شاذان في ذيل ترجمة صعصعة بن صوحان، وتقدم كلامه في جندب بن زهير.
 وعده الشيخ في رجاله:
– (تارة) في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله،
– (وأخرى) في أصحاب علي عليه السلام، قائلا: (سليمان بن صرد الخزاعي المتخلف عنه يوم الجمل المروي عن الحسن عليه السلام، أو المروي على لسانه كذبا في عذره في التخلف).
– (وثالثة) في أصحاب الحسن عليه السلام، قائلا: (سليمان بن صرد الخزاعي، أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله).
 وعن ابن نما في شرح الثار أنه أول من نهض بعد قتل الحسين طالبا بثاره عليه السلام.
 أقول: لا ينبغي الاشكال في جلالة سليمان بن صرد، وعظمته، لشهادة الفضل بن شاذان بذلك، وأما تخلفه عن أمير المؤمنين عليه السلام في وقعة الجمل فهو ثابت، ولعل ذلك كان لعذر أو بأمر من أمير المؤمنين عليه السلام، فإن ما روي عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم، عن أبي عبد الله سيف بن عمر، عن إسماعيل بن أبي عمرة، عن عبد الرحمان بن عبيد بن أبي الكنود، من عتاب أمير المؤمنين عليه السلام، وعذله سليمان بن صرد في قعوده عن نصرته بعد رجوعه عليه السلام من حرب الجمل لا يمكن تصديقه لان عدة من رواته لم تثبت وثاقتهم، على أنه لم يثبت كون هذا الكتاب عن نصر بن مزاحم بطريق معتبر، فلعل القصة مكذوبة عليه كما احتمله الشيخ – قدس سره .
 ثم إن ما ذكره الشيخ – من كون سليمان بن صرد من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله – لعله مأخوذ من بعض كتب العامة، وإلا فقد صرح الفضل بن شاذان بأنه من التابعين كما مر.
ثالثا: نقل سماحة السيّد محسن الأمين في كتابه (أعيان الشيعة) ترجمة سليمان مع ذكر مفصل لثورته –ثورة التوابين- وهي كالتالي:
 .: سليمان بن صرد :.
ترجمة سليمان:
– سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعي.
 – من ولد كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو ماء السماء عامر بن الغطريف والغطريف هو حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن.
 – يكنى أبا المطرف.
 – استشهد يوم عين الوردة من أرض الجزيرة طالبا بثار الحسين (ع) في ربيع الآخر سنة 65 من الهجرة.
 – وكان عمره يوم قتل 93 سنة.
 هكذا ساق نسبه صاحب الاستيعاب وقال وقد ثبت نسبه في خزاعة لا يختلفون فيه كان اسمه في الجاهلية يسارا فسماه رسول الله (ص) سليمان.
 وفي أسد الغابة سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن اصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحي الخزاعي وولد عمرو هم خزاعة. صرد بفتح الصاد وسكون الراء.
 أقوال العلماء فيه:
في الاستيعاب: كان رضي الله عنه خيرا فاضلا له دين وعبادة وكان له سن عالية وشرف وقدر وكلمة في قومه.
 وفي أسد الغابة: كان خيرا فاضلا له دين وعبادة.
 وفي الإصابة: كان خيرا فاضلا وقال ابن سعد هو من الطبقة الثالثة من المهاجرين صحب رسول الله (ص) وكان له سن عالية وشرف في قومه.
 وفي تاريخ بغداد: بسنده عن محمد بن جرير عن رجاله قال سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون وهو عبد العزى بن منقذ بن ربيعة بن اصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزبقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد أسلم وصحب النبي (ص) وكانت له سن عالية وشرف في قومه نزل الكوفة وورد المدائن وبغداد.
 وقال الطبري في ذيل المذيل: وكانت له سن عالية وشرف في قومه وقال الحاكم في المستدرك وكانت له سن عالية وشرف في قومه.
 أخباره:
كان مع علي (ع) بصفين وجعله على رجالة الميمنة وفي أسد الغابة شهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها قال نصر خرج حوشب ذو ظليم يوم صفين وهو يومئذ سيد أهل اليمن فاقبل في جمعه وصاحب لوائه يقول:
نحن اليمانيون منا حوشب * أي ذو ظليم أين منا المهرب
فينا الصفيح والقنا المغلب * والخيل أمثال الوشيج شرب
إن العراق حبلها مذبذب * إن عليا فيكم محبب
في قتل عثمان وكل مذنب
 فحمل عليه سليمان بن صرد الخزاعي وهو يقول:
يا لك يوما كاشفا عصبصبا * يا لك يوما لا يواري كوكبا
يا أيها الحي الذي تذبذبا * لسنا نخاف ذا ظليم حوشبا
لأن فينا بطلا مجربا * ابن بديل كالهزبر مغضبا
أمسى علي عندنا محببا * نفديه بالام ولا نبقي أبا
 فطعن سليمان حوشبا فقتله وأتى سليمان بن صرد عليا أمير المؤمنين (ع) بعد كتاب الصحيفة بصفين ووجهه مضروب بالسيف فلما نظر إليه علي (ع) قال: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) فأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل.
 فقال يا أمير المؤمنين اما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة أبدا.
 وقال نصر في كتاب صفين: أيضا ان عقبة بن مسعود عامل علي على الكوفة كتب إلى سليمان بن صرد يوم صفين يوصيه بالصبر ويقول إنهم ان يظهروا عليكم الآية وقال ابن سعد لما قبض رسول الله (ص) تحول فنزل الكوفة وشهد مع علي (ع) الجمل وصفين.
 خبر ثورة التوابين واستشهاد سليمان:
وكان من الذين كتبوا إلى الحسين ان يقدم الكوفة غير أنه لم يقاتل معه خوفا من ابن زياد. ثم قدم بعد قتل الحسين فجمع الناس فالتقوا بعين وردة وهي من اعمال قرقيسيا وعلى أهل الشام الحصين بن نمير فاقتتلوا فترجل سليمان فرماه الحصين بن نمير بسهم فقتله فوقع وقال فزت ورب الكعبة وقتل معه المسيب بن نجبة فقطع رأسيهما وبعث بهما إلى مروان بن الحكم.
 وفي الاستيعاب سكن الكوفة وابتنى بها دارا في خزاعة وكان نزوله بها في أول ما نزلها المسلمون شهد مع علي صفين وهو الذي قتل حوشبا ذا ظلم الألهاني بصفين مبارزة.
 خبر مقتله وامر التوابين في الاستيعاب:
كان فيمن كتب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما يسأله القدوم إلى الكوفة فلما قدمها ترك القتال معه فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجبة الفزاري وجميع من خذله.
 ثم قالوا ما لنا مما فعلنا الا ان نقتل أنفسنا في الطلب بدمه فخرجوا فعسكروا بالنخيلة وذلك مستهل ربيع الآخر سنة 65 وولوا أمرهم سليمان بن صرد وسموه أمير التوابين.
 ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد فلقوا مقدمته في أربعة آلاف عليها شرحبيل بن ذي الكلاع فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد والمسيب بموضع يقال له عين الوردة -وهو رأس عين-.
 وقيل إنهم خرجوا إلى الشام في الطلب بدم الحسين فسموا التوابين وكانوا أربعة آلاف فقتل سليمان بن صرد رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله وحمل رأسه ورأس المسيب بن نجبة إلى مروان بن الحكم وفي الشذرات يسمى جيشهم جيش التوابين وجيش السراة.
 ما نقله ابن الأثير عن ثورة التوابين وسليمان بن صرد:
لما قتل الحسين ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة إلى الكوفة تلاقت الشيعة بالكوفة بالندامة والتلاوم ورأت ان قد أخطأت خطا كبيرا وانه لا يغسل عارهم والاثم عليهم الا قتل من قتله فاجتمعوا بالكوفة في منزل سليمان بن صرد إلى خمسة نفر من رؤساء الشيعة سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة الفزاري وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وعبد الله بن وال النيمي تيم بكر بن وائل ورفاعة بن شداد البجلي وكانوا من خيار أصحاب علي.
 فخطبهم المسيب وقال في آخر كلامه ان رأيتم ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة وصاحب رسول الله (ص) وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد الخزاعي المحمود في بأسه ودينه الموثوق بحزمه وتكلم عبد الله بن سعد بنحو ذلك فخطبهم سليمان وقال في آخر خطبته الا انهضوا فقد سخط عليكم ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الا لا تهابوا الموت فما هابه أحد قط الا ذل وكونوا كبني إسرائيل إذ قال لهم ربهم انكم ظلمتم أنفسكم إلى قوله فاقتلوا أنفسكم أحدوا السيوف وركبوا الأسنة واعدوا لهم ما استطعتم من القوة ومن رباط الخيل.
 وقال خالد بن سعد بن نفيل انا أشهد كل من حضر ان كل ما أملكه سوى سلاحي صدقة أقوى به المسلمين على قتال الفاسقين وقال غيره مثل ذلك فقال سليمان حسبكم من أراد من هذا شيئا فليأت به عبد الله بن وال فإذا اجتمع عنده جهزنا به ذوي الحاجة.
 وكتب سليمان إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ويدعوه إلى مساعدتهم ومن معه من الشيعة بالمدائن فقرأ عليهم سعد الكتاب فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى سليمان انهم على الحركة إليه والمساعدة له.
 وكتب سليمان إلى المثنى بن مخرمة مخربة العبدي بالبصرة بمثل ذلك فاجابه المثنى انا موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت فكان أول ما ابتدأوا به أمرهم بعد قتل الحسين (ع) سنة 61.
 فما زالوا بجمع آلة الحرب ودعاء الناس في السر إلى أن هلك يزيد بن معاوية سنة 64 فجاء إلى سليمان أصحابه وطلبوا الوثوب على عمرو بن حريث خليفة ابن زياد على الكوفة والطلب بثار الحسين فقال سليمان لا تعجلوا اني رأيت قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب ومتى علموا ما تريدون كانوا أشد الناس عليكم ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت انهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم وكانوا جزرا لعدوهم بثوا دعاتكم ففعلوا واستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد.
 فلما مضت ستة أشهر بعد هلاك يزيد قدم المختار الكوفة وقد كان عبد الله بن يزيد الأنصاري أميرا على الكوفة من قبل ابن الزبير وكانوا قد بايعوا له فاخذ المختار يدعو إلى الطلب بثار الحسين وكان يقول يريد سليمان ان يخرج فيقتل نفسه ومن معه وقال عبد الله بن يزيد ان المختار وأصحابه يطلبون بدم الحسين فليخرجوا ظاهرين.
 ثم إن أصحاب سليمان خرجوا يشترون السلاح ظاهرين ويتجهزون ثم إن المختار خرج إلى ابن الزبير فلما رأى أنه لا يواليه عاد إلى الكوفة واختلفت إليه الشيعة وسال عن سليمان بن صرد فأخبر خبره وانه على المسير وبعث إلى الشيعة وهم عند سليمان وقال لهم ان سليمان له بصر بالحرب ولا تجربة بالأمور وانما يريد ان يخرج بكم فيقتلكم ويقتل نفسه فاستمال بذلك طائفة من الشيعة وعظماء الشيعة مع سليمان لا يعدلون به أحدا وهو أثقل خلق الله على المختار.
 ولما أراد سليمان الشخوص سنة 65 بعث إلى رؤوس أصحابه فأتوه فلما أهل ربيع الآخر خرج فلما اتى النخيلة دار في الناس فلم يعجبه عددهم فأرسل حكيم بن منقد الكندي والوليد بن عصير الكناني فناديا في الكوفة يا لثارات الحسين فكانا أول خلق الله دعيا بذلك فاتاه نحو مما في عسكره.
 ثم نظر في ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفا ممن بايعه فقال سبحان الله ما وافانا من ستة عشر ألفا الا أربعة آلاف فقيل له ان المختار يثبط الناس عنك وقد تبعه ألفان فقال وقد بقي عشرة آلاف وأقام بالنخيلة يبعث إلى من تخلف عنه فاتاه نحو من ألف فقام إليه المسيب بن نجبة فقال إنه لا ينفعك الكاره ولا يقاتل معك الا من أخرجته المحبة فلا تنتظر أحدا وجد في أمرك قال نعم ما رأيت.
 ثم قام سليمان في أصحابه فقال أيها الناس من كان خرج يريد بخروجه وجه الله والآخرة فذلك منا ونحن منه ومن كان انما يريد الدنيا فوالله ما يأتي فئ نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله وما معنا من ذهب ولا فضة ولا متاع ما هو الا سيوفنا على عواتقنا وزاد قدر البلغة فتنادى أصحابه من كل جانب انا لا نطلب الدنيا ثم قال عبد الله بن سعد بن نفيل لسليمان انا خرجنا نطلب بثار الحسين وقتلته كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد ورؤوس الأرباع والقبائل فأين نذهب من هنا وندع الأوتار وقال أصحابه كلهم هذا هو الرأي فقال سليمان ان الذي قتله وعبى الجنود إليه هذا الفاسق ابن الفاسق عبيد الله بن زياد فسيروا إليه على بركة الله فان يظفركم الله رجونا ان يكون من بعده أهون علينا منه ورجونا ان يدين لكم أهل مصركم في عافية فينظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فيقتلونه وان تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين وما عند الله خير للأبرار ولو قاتلتم أهل مصركم ما عدم رجل ان يرى رجلا قتل أخاه وأباه وحميمه فاستخيروا الله وسيروا.
 فجاءهم والي الكوفة وأمير خراجها وقالوا أقيموا معنا حتى نتهيا فإذا سار عدونا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا وجعلا لسليمان وأصحابه خراج جوخى ان أقاموا فقال لهما سليمان قد محضتما النصيحة ونسأل الله العزيمة على الرشد ولا ترانا الا سائرين فقال الوالي أقيموا حتى نعبي معكم جيشا كثيفا وكان بلغهم ان عبيد الله بن زياد أقبل من الشام في جنود كثيرة.
 فلم يقم سليمان وسار عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة 65 فوصل دار الأهواز وقد تخلف عنه ناس كثير فقال:
ما أحب ان لا يتخلفوا ولو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ان الله كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم بفضل ذلك.
 ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين فصاحوا صيحة واحدة فما رئي أكثر باكيا من ذلك اليوم وتابوا وأقاموا عنده يوما وليلة يبكون ويتضرعون وزادهم النظر إليه حنقا ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودع له فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود.
 ثم ساروا على الأنبار وكتب إليهم والي الكوفة ينهاهم عن المسير نصيحة ويطلب منهم الرجوع إلى الكوفة فكتب إليه سليمان يشكره ويثني عليه ويقول إن القوم استبشروا ببيعهم من ربهم وتابوا فقال الوالي استمات القوم والله ليموتن كراما مسلمين.
 ثم ساروا حتى انتهوا إلى قرقيسيا على تعبية وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها خوفا منهم لأنه لم يعرفهم فلما عرفهم رحب بهم فطلبوا إليه ان يخرج لهم سوقا فأخرجه وبعث إليهم بخبز كثير وعلف ودقيق فاستغنوا عن السوق الا قليلا وخرج إليهم زفر يشيعهم وقال لسليمان قد سار خمسة أمراء من الرقة أحدهم عبيد الله بن زياد في عدد كثير مثل الشوك والشجر فان شئتم دخلتم قريتنا وكانت أيدينا واحدة.
 فقال سليمان قد طلب أهل مصرنا ذلك منا فأبينا قال زفر فبادروهم إلى عين الوردة فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه واطووا المنازل فوالله ما رأيت جماعة قط أكرم منكم ولا تقاتلوهم في فضاء فإنهم أكثر منكم وأوصاهم بوصايا كثيرة حربية مما دل على معرفته الكاملة بالحرب.
 ثم ساروا مجدين فانتهوا إلى عين الوردة وأقاموا على مسيرة يوم وليلة فخطب سليمان أصحابه وذكر الآخرة ورغب فيها.
 ثم قال إذا لقيتموهم فأصدقوهم القتال واصبروا ان الله مع الصابرين ولا يولهم امرؤ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ولا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم الا ان يقاتلكم بعد أن تأسروه فان هذه كانت سيرة علي في أهل هذه الدعوة فان أنا قتلت فأمير الناس مسيب بن نجبة فان قتل فعبد الله بن سعد بن نفيل فان قتل فعبد الله بن وال فان قتل فرفاعة بن شداد رحم الله امرأ صدق ما عاهد الله عليه.
 ثم بعث المسيب في أربعمائة فارس وقال له شن عليهم فان رأيت ما تحب والا رجعت فسار يومه وليلته ثم بث أصحابه في الجهات فجاءوه بأعرابي فسأله فقال أدنى عساكرهم منك على رأس ميل فساروا مسرعين فأشرفوا عليهم وهم غارون فحملوا في جانب عسكرهم فانهزم العسكر وأصاب المسيب منهم رجالا فأكثروا فيهم الجراح وأخذوا الدواب وخلى الشاميون معسكرهم وانهزموا فغنم منه أصحاب المسيب ما أرادوا.
 ثم انصرفوا إلى سليمان موفورين وبلغ الخبر ابن زياد فأرسل الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا فخرج إليه سليمان بأصحابه لأربع بقين من جمادى الأولى فدعاهم أهل الشام إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان -قال ابن الأثير وفي هذا نظر فان مروان كان حيا- ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع عبد الملك وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم وانهم يخرجون من بالعراق من أصحاب ابن الزبير ثم يرد الأمر إلى أهل البيت فأبى كل منهم فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين والميسرة على الميمنة وحمل سليمان في القلب فانهزم أهل الشام إلى معسكرهم وما زال الظفر لأصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل.
 فلما أصبحوا أمد ابن زياد الحصين بثمانية آلاف وخرج أصحاب سليمان فقاتلوهم قتالا لم يكن أشد منه طول النهار ولم يحجز بينهم الا الصلاة فلما أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في الفريقين فلما أصبح أهل الشام أمدهم ابن زياد بعشرة آلاف فاقتتلوا يوم الجمعة قتالا شديدا إلى ارتفاع الضحى.
 ثم إن أهل الشام كثروهم وتعطفوا عليهم من كل جانب ورأى سليمان ما لقي أصحابه فنزل ونادى عباد الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي.
 ثم كسر جفن سيفه ونزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وأكثروا الجراح فبعث الحصين الرجال ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال فقتل سليمان رحمه الله… رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع.
 وقال أعشى همدان في أمر التوابين ورئيسهم سليمان قال ابن الأثير وهي مما يكتم ذلك الزمان:
 ألم خيال منك يا أم غالب * فحييت عنا من حبيب مجانب
فما انس ولا انس انتقالك في الضحى * إلينا مع البيض الحسان الخراعب
تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشي * لطيفة طي الكشاح ريا الحقائب
فتلك النوى وهي الجوى لي والمنى * فاحبب بها من خلة لم تصاقب
ولا يبعد الله الشباب وذكره * وحب تصافي المعصرات الكواعب
فاني وان لم أنسهن لذاكر * روية مخبات كريم المناسب
توسل بالتقوى إلى الله صادقا * وتقوى الاله خير تكساب كاسب
وخلى عن الدنيا فلم يلتبس بها * وتاب إلى الله الرفيع المراتب
تخلى عن الدنيا وقال طرحتها * فلست إليها ما حييت بآيب
وما انا فيما يكره الناس فقده * ويسعى له الساعون فيها براغب
توجه من نحو الثوية سائرا إلى * ابن زياد في الجموع الكتائب
بقوم هم أهل التقية والنهى * مصاليت أنجاد سراة مناجب
مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبة * ولم يستجيبوا للأمير المخاطب
فساروا وهم ما بين ملتمس التقى * وآخر مما جر بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا * إليهم فحسوهم ببيض قواضب
يمانية تذري الأكف وتارة * بخيل عتاق مقربات سلاهب
فجاءهم جمع من الشام بعده * جموع كموج البحر من كل جانب
فما برحوا حتى أبيدت سراتهم * فلم ينج منهم ثم غير عصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا * تعاورهم ريح الصبا والجنائب
فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلا * كان يقاتل مرة ويحارب
  

1- سنن الترمذي: 2 / 27 ، أبواب الصلاة ، باب 184 ، الحديث 248 ، وج 3 / 95 ، كتاب الصوم ، باب 22 ، الحديث 716 ، وص 607 ، كتاب البيوع ، باب 75 ، الحديث 1316 ، وص 608 ، الحديث 1317 ، وج 5 / 637 ، كتاب المناقب ، الحديث 3723.
2-رجال الشيخ الطوسي: 66 الرقم 593 ، وص 114 الرقم 139 ، وص 219 الرقم 2908.
3- سير أعلام النبلاء: 3 / 394 الرقم 61.
4- أسد الغابة: 2 / 351 ، راجع الاستيعاب: 2 / 650.
5- تاريخ الاسلام ، حوادث سنة 61: ص 46.
6- تهذيب الكمال: 11 / 454 الرقم 2531.
7- صحيح البخاري: 1 / 69 ، باب من أفاض على رأسه ثلاثا ، وج 4 / 93 ، وج 5 / 48 ، وج 7 / 84 ، وص 99 ، باب الحذر من الغضب.
8- صحيح مسلم: 1 / 258 ، كتاب الحيض ، الحديث 54 ، وص 259 ، الحديث 55.
9- سنن أبي داود: 1 / 62 ، كتاب الطهارة ، باب الغسل من الجنابة ، الحديث 239 ، وج 4 / 249 ، كتاب الأدب ، باب ما يقال عند الغضب ، الحديث 4781.
10- سنن ابن ماجة: 1 / 190 ، كتاب الطهارة ، باب الغسل من الجنابة ، الحديث 239 ، وج 2 / 897 ، كتاب الديات ، الحديث 2689 ، وص 1389 ، الحديث 4149.
11- سنن الترمذي: 3 / 377 ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الشهداء من هم ، الحديث 1064.
Advertisements