الشيخ داود بن أبي شافيز البحراني

الشيخ داود بن أبي شافيز الجدحفصي البحراني

 هو العالم المحقق الفقيه والشاعر الأديب الشيخ داود بن محمد بن عبد الله بن أبي شافيز الجدحفصي البحراني، كان وحيد عصره في العلوم كلها، وأحذق أهل زمانه في علم المناظرة.
 وقد وقع الخلاف في كنيته قال صاحب موسوعة الغدير: (( قد وقع الخلاف في ضبط كنية شاعرنا هذه، ففي (سلوة الغريب) للسيد علي خان المدني: ابن أبي شافيز، وكذلك ضبطها سيد الأعيان. وفي (سلافة العصر) للسيد المدني أيضا: ابن أبي شافير. بالراء المهملة تارة وبالنون أخرى. وفي (خلاصة الأثر) للمحبي: ابن أبي شاقين: بالقاف والنون. وفي (البحار) ابن أبي شافير مهملة الآخر. والذي نجده في شعره بلا خلاف فيه: ابن أبي شافين. بالفاء والنون.)).
 نقل صاحب أنوار البدرين ترجمته عن الشيخ سليمان الماحوزي فقال: ((الشيخ المحقق العلامة الأديب الحكيم الشيخ داود بن محمد بن عبد الله بن أبي شافيز (بالشين المعجمة بعدها ألف ثم الفاء والزاء أخيرا) واحد عصره في الفنون كلها وله في علوم الأدب اليد الطولى وشعره في غاية الجزالة وقصائد شعره مشهورة وكان جدليا حاذقا في علم المناظرة وآداب البحث ما ناظر أحدا إلا وأفحمه وله مع السيد العلامة النحرير ذي الكرامات السيد حسين ابن السيد حسن الغريفي (ره) مجالس ومناظرات وسمعت شيخي الفقيه العلامة الشيخ سليمان يقول كان السيد أفضل وأشد إحاطة بالعلوم وأدق نظرا وكان الشيخ داود (ره) أشد بديهة وأدق في صناعة علم الجدل فكان في الظاهر يكون الشيخ غالبا وفي الحقيقة الحق مع السيد وكان الشيخ داود (ره) يأتي ليلا إلى بيت السيد العلامة الغريفي ويعتذر منه ويذكر أن الحق معه….انتهى كلام شيخنا العلامة الماحوزي البحراني))
 وقد تصدى الشيخ داود لمباحثة العلامة الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي لما قدم إلى البحرين في نهاية القرن العاشر الهجري والمتوفى سنة 984 هجرية، حيث إنه زار علماء البحرين واجتمع معهم في أحد مساجد جدحفص لمناظرته وكان الشيخ داود بينه وبين جماعة فتور فاضطروا للذهاب إلى بيته واستمالوه ليحضر معهم في المناقشة والمناظرة , ولما انفض المجلس رجع الشيخ حسين العاملي (قدس سره) إلى بيته، فكتب هذين البيتين تعبيراً عن عدم رضاه عن تلك المناظرة فقال:
أنـاسٌ في أوال قد تصدوا* لمحو العلم واشتغلوا بلم لم
إذا جادلتهم لم تلـق منه*  سـوى حرفين لم لم لا نسلم
 أقوال العلماء فيه:
صاحب كتاب موسوعة الغدير: الشيخ داود بن محمد بن أبي طالب الشهير بابن أبي شافين الجدحفصي البحراني، من حسنات القرن العاشر، ومن مآثر ذلك العصر المحلى بالمفاخر، شعره مبثوث في مدونات الأدب، والموسوعات العربية، ومجاميع الشعر، إن ذكر العلم فهو أبو عذره أو حدث عن القريض فهو ابن بجدته.
 صاحب سلافة العصر: البحر العجاج إلا أنه العذب لا الأجاج، والبدر الوهاج إلا أنه الأسد المهاج، رتبته في الاباءة شهيرة، ورفعته أسمى من شمس الظهيرة، ولم يكن في مصره وعصره من يدانيه في مده وقصره، وهو في العلم فاضل لا يسامى، وفي الأدب فاصل لم يكل الدهر له حساما، إن شهر طبق، وإن نشر عبق، وشعره أبهي من شف البرود، وأشهى من رشف الثغر البرود، وموشحاته الوشاح المفصل، بل التي فرع حسنها و أصل.
 صاحب أمل الآمل: عالم أديب شاعر معاصر.
 مؤلفاته:
-رسالة وجيزة في علم المنطق قال عنها الشيخ الماحوزي: ((اختار فيها مذهب الفارابي في تحقيق عقد الوضع في المحصورات واختار فيها أيضا أن الممكنة تنتج في صغرى الشكل الأول وله فيها مذاهب نادرة))
-شرح على الفصول النصيرية في التوحيد. قال عنه صاحب أنوار البدرين: ((وله شرح على الفصول النصيرية في التوحيد جيد حسن وقد رأيته وكان سيدنا المعاصر السيد الفاخر السيد أحمد بن السيد عبد الصمد البحراني (ره) يعجب منه ومن متانته وتحقيقاته)).
 وفاته ومدفنه:
قال صاحب غاية المرام في تأريخ الأعلام: توفى هذا العالم الجليل في عام 1012 هجرية الموافق 1603 ميلادية ودفن في شمال مدرسته مباشرة وقبره مزار معروف، والجدير بالذكر أن مدرسته المسماة باسمه قد جرت عليها حادثة غريبة حيث دخل فيها النصارى (المستشرقون) في أحد السنين بعد وفاته (قدس سره)، واستأجروا بعض الحفارين واستخرجوا بعض الصناديق والكتب وهربوا بها حيث ساعدهم الهدوء في وقت الظهيرة والناس في مظاعنهم الصيفية بعد أن قاومتهم ثلة قليلة استطاع النصارى التخلص منها، وذكر صاحب أنوار البدرين هذه الحادثة و لـم يفصـل فيها.
 قال صاحب أنوار البدرين: ((…ومدرسته هو المسجد المسمى بمدرسة الشيخ داود الشائع على ألسنة عوام عصرنا هذا بمدرسة العريبي و قبره رحمه الله في حجرة بجنب المسجد داخلة فيه من الشمال إلا أنها الآن خارجة عن المسجد المذكور وهناك قبور جماعة من العلماء إلا إني لم أقف على أسمائهم وقد وقعت على هذا المسجد سنة من السنين حادثة من النصارى لا يسعها هذا المكان في سنة 1335هـ.))
 نماذج من أشعاره:
ونذكر هنا جملة من أشعاره نقلا عن موسوعة الغدير للعلامة الاميني مع بعض التصرف.
اجل مصابي في الحياة واكبر*مصاب له كل المصائب تصغر
مصاب به الأفاق اظلم نورها*ووجه التقى والدين أشعث اغبر
مصاب به اطواد علم تدكدكت*وأصبح نور الدين وهو مغبر
 إلى إن قال فيها:
وسار النبي الطهر من ارض مكة*وقد ضاق ذرعا بالذي فيه اضمروا
ولما اتى نحو الغدير برحله*تلقاه جبريل الأمين يبشر
بنصب علي واليا وخليفة*فذلك وحي اللّه لا يتأخر
فرد من القوم الذين تقدموا*وحط أناس رحلهم قد تأخروا
ولم يك تلك الأرض منزل راكب*بحر هجير ناره تتسعر
رقى منبر الاكوار طهر مطهر*ويصدع بالأمر العظيم وينذر
فأثنى على اللّه الكريم مقدسا*وثنى بمدح المرتضى وهو مخبر
بان جاءني فيه من اللّه عزمة*وان إنا لم أصدع فاني مقصر
واني على اسم اللّه قمت مبلغا*رسالته واللّه للحق ينصر
علي أخي في أمتي وخليفتي*وناصر دين اللّه والحق ينصر
وطاعته فرض على كل مؤمن*وعصيانه الذنب الذي ليس يغفر
ألا فاسمعوا قولي وكونوا لأمره*مطيعين في جنب الإله فتوجروا
الست بأولى منكم بنفوسكم*فقالوا نعم نص من اللّه يذكر
فقال ألا من كنت مولاه منكم*فمولاه بعدي والخليفة حيدر
 التقطنا هذه الأبيات من قصيدة كبيرة لشاعرنا ابن ابي شافين تبلغ خمسمائة وثمانين بيتا توجد في المجاميع المخطوطة العتيقة.
 ومن شعره أيضا نقله صاحب سلافة العصر:
أنا واللّه المعاني*بالهوى شوقي أعرب
كل آن مر حالي*في الهوى يا صاح اغرب
كلما غنى الهوى لي*ارقص القلب واطرب
وغدا يسقيه كاسا*ت صبابات فيشرب
فالذي يطمع في سل*ب هوى قلبي أشعب
قلت للمحبوب حتا*م الهوى للقلب ينهب
وبميدان الصبا وال*لهو ساه أنت تلعب
قال ما ذنبي إذا شا*هدت نار الخد تلهب
فهوى قلبك فيها*ذاهبا في كل مذهب
قلت هب أن الهوى *هب فالقاه بهب هب
أفلا تُنقذ من يه*واك من نار تلهّب
 ثم ذكر له لامية وموشحة دالية تناهز بيتا مطلعها:
قل لأهل العذل لو وجدوا*من رسيس الحب ما نجد
أوقدوا في كل جارحة*زفرة في القلب تتقد
فاسعد الهائم أيها اللائم*فالهوى حاكم إن عصى احد
 ذكره المحبي في خلاصة الأثر (2/88) وقال: من العلماء الأجلاء الأدباء، أستاذ السيد أبي محمد الحسين بن الحسن
بن‏احمد بن سليمان الحسيني الغر يفي البحراني، ولما توفي تلميذه السيد العلامة الغر يفي في سنة (1001) وبلغ نعيه إلى شيخه‏الشيخ داود بن أبي شافين البحراني استرجع الشيخ وانشد بديهة:
هلك القصر يا حمام فغني*طربا منك في اعالي الغصون
 وله قصيدة تناهز (37) بيتا مستهلها:
هلموا نبك أصحاب العباء*ونرثي سبط خير الأنبياء
هلموا نبك مقتولا بكته*ملائكة الإله من السماء
 وذكر له العلامة السيد احمد العطار في الجزء الثاني من موسوعة الرائق قوله في رثاء الإمام السبط سلام اللّه عليه:
يا واقفا بطفوف الغاضريات*دعني‏أسح الدموع العندميات
من أعين بسيوف الحزن قاتلة*طيب الكرى لقتيل السمهريات
وسادة جاوزوا بيد الفلاة بها*وقادة قددوا بالمشرفيات
 القصيدة تناهز (62) بيتا يقول في آخرها:
لا يبتغي ابن أبي شافين من عوض*إلا نجاة وإسكانا بجنات
 وذكر السيد (قده) في الرائق أيضا له قوله في رثاء الإمام الشهيد صلوات اللّه عليه:
مصائب يوم الطف ادهي المصائب*و أعظم من‏ ضرب السيوف‏القواضب
تذوب لها صم الجلاميد حسرة*وتنهد منها شامخات الشناخب
بها لبس الدين الحنيف ملابسا*غرابيب سودا مثل لون الغياهب
 القصيدة (50) بيتا وفي آخرها قوله:
ودونكم غراء كالبدر في الدجى*من ابن أبي شافين ذات غرائب
وذكر الشيخ لطف اللّه بن علي بن لطف اللّه الجدحفصي البحراني في مجموعته الشعرية له قصيدة تبلغ (71)  بيتا في رثاء الإمام السبط الطاهر (ع) أولها:
قفا بالرسوم الخاليات الدواثر*تنوح على فقد البدور الزواهر
بدور لآل المصطفى قد تجللت*بعارض جون فاختفت بدياجر
ففي كل قطر منهم قمر ثوى*وجلل من غيم الغموم بساتر
وفي تلك المجموعة له في رثاء الإمام السبط (ع) تناهز (42) بيتا مطلعها:
قف بالطفوف بتذكار وتزفار*وذب من الحزن ذوب التبر في النار
واسحب ذيول الاسى فيها ونح اسفا*نوح القماري على فقدان اقمار
وانثر على ذهب الخدين من درر*الدمع الهتون وياقوت الدم الجاري
ونح هناك بليعات الأسى جزعا*فما على الواله المحزون من عار
وعز نفسك عن أثواب سلوتها*على القتيل الذبيح المفرد العاري
لهفي وقد مات عطشانا بغصته*يسقى النجيع ببتار وخطار
كانما مهره في جريه فلك*ووجهه قمر في افقه ساري
 وله قصيدة يمدح بها النبي الأعظم ووصيه الطاهر وآلهما صلوات اللّه عليهم أولها:
بدا يختال في ثوب الحرير*فعم الكون من نشر العبير
فقلنا نور فجر مستطير*جبينك أم سنا القمر المنير
وقدّ مائل أم غصن بان*تثنى أم قضيب خيزراني
عليه بدر تم شعشعاني*بنور في الدياجي مستطير
ألا يا يوسفي الحسن كم كم*فؤادي من لهيب الشوق يضرم
وكم يا فتنة العشاق اظلم*وما لي في البرايا من نصير
 يقول فيها:
فان ضيعت شيئا من ودادي*فحسبي حب احمد خير هادي
ومبعوث إلى كل العباد*شفيع الخلق والهادي البشير
وهل أُصلى لظى‏ نار توقد*وعندي حب خير الخلق احمد
وحب المرتضى الطهر المسدد*وحب الآل باق في ضميري
به داود يجزى في المعادو*نجاة من لظى‏ ذات اتقاد
وينجو كل عبد ذي وداد*بحب الآل والهادي البشير
 والحمد الله رب العالمين
—————–
 أهم المصادر:
-الغدير في الكتاب والسنة والادب , للعلامة الشيخ عبد الحسين الاميني.
-بعض فقهاء البحرين في الماضي والحاضر, للدكتور الشيخ علي محمد محسن العصفور.
-غاية المرام في تاريخ الأعلام , للسيد هاشم السيد سلمان السيد باقر.
-أنوار البدرين , للشيخ علي البلادي.
-سلافة العصر في محاسن الدهر, للسيد علي خان المدني.
-أمل الآمل الشيخ , محمد بن الحسن العاملي.
Advertisements